القاضي هو خط الدفاع الأخير للمواطن للحصول على حقه إذا ما خذلته السلطة التنفيذية, و القاضي المستقل هو الضمانة الحقيقية لنزاهة الانتخابات في بلد يحلم ببدء مشوار الديمقراطية مثل بلدنا, و لهذا فإن استقلال القضاء لا يعد ترفا أو مطلبا يختص به القضاة فحسب كما قد يظن بعض الناس
لست متخصصا لأضع تعريفات لكني سأكتب على مقدار فهمي المتواضع للأمور, معنى أن يكون القضاء مستقل هو ألا يكون لأي هيئة غير قضائية أي دخل في عملية التقاضي و ألا يكون لأي شخص ذو صفة سياسية (تشريعية أو تنفيذيه) سلطة المنح أو المنع, أو الثواب أو العقاب, على القاضي
ما هي أهم خروقات استقلال القضاء في مصر حاليا؟
- تبعية التفتيش القضائي لوزير العدل فتملك هيئة تابعة للوزير معاقبة القاضي إذا رأت أنه مقصر أو مخطيء
- تدخل وزير العدل في اختيار رؤساء المحاكم, الذين يتدخلون في توجيه القضايا لدوائر معينة, مما يقضي على مبدأ الشفافية في عملية التقاضي
- انتداب القضاة للعمل في الشركات و الوزارات بحافز مادي و جعل هذا القرار بيد وزير العدل
- اختيار النائب العام بقرار من رئيس الجمهورية
ما هي الأضرار التي تلحق بالمواطن العادي مما سبق ؟
قد يبدو كل هذا الكلام "مجرد شكليات" أو أمور تهم فقط القضاة لكن لنتخيل السيناريوهات التالية
قاض يصل للخمسينات من عمره و ابناؤه على "وش جواز" و مرتبه يكفي متطلبات الحياة الطبيعية فقط , و يسمع عن وجود فرص للاعارة للعمل بعمل إداري أو قانوني (لكنه غير قضائي) في أحد الوزارات (قد تكون العدل أو غيرها) أو أحد الشركات بمرتب قد يكون ضعف مرتبه العادي أو أكثر , لكن من يملك قرار الاعارة في النهاية هو وزير العدل, هل سيستطيع هذا القاضي أن يمارس عمله بدون أي ضغوط لو وجد أمامه قضية فساد كبرى أحد المتهمين فيها أحد المسئولين في الحزب الحاكم؟ أو معارض بارز يعلم أن النظام (الذي يختار وزير العدل بطبيعة الحال) يعاديه و يرغب في أن ينكل به؟ هل إذا ذهب هذا القاضي ليشرف على لجنة انتخابات رئيسية (أو حتى فرعية) هل سيحرص على أن تصل كل الأصوات كما وضعت بمعرفة أصحابها؟ أم سيكون تحت ضغط أن يتغاضى عن "بعض التجاوزات" التي لا تضر ؟ بالتأكيد "معظم" قضاتنا سيحكمون ضمائرهم و سيقفوا بقوة أمام أي محاولة للتأثير عليهم , سواء في الأحكام أو الاشراف على الانتخابات, لكن القضاة بشر و ليسوا ملائكة و سيكون منهم من يضعف أمام الاغرائات و التهديدات, قد تكون نسبتهم أقل بكثير من نسبة نظرائهم في أي جهة أخرى في الدولة , لكن في النهاية , من الذي يوجه قضية بعينها لدائرة بعينها ؟ إنه رئيس المحكمة الذي يتدخل وزير العدل في اختياره, لماذا اشتهر أحد المستشارين بأنه صاحب أحكام أصدرت لارضاء النظام في كثير من القضايا المثيرة للجدل في السنوات الأخيرة ؟ لو فرضنا أن نسبة الفساد في القضاء هي ٥٪ مثلا (و هو مجرد فرض لا يستند لأي احصاء) فهل معنى هذا أن النظام يستطيع التأثير في ٥٪ فقط من القضايا؟ الواقع أنه في ظل ازدحام المحاكم بالقضايا فإن نسبة القضايا التي قد يرغب النظام في التأثير فيها قد تكون أقل من ذلك بكثير و بالتالي فكل المطلوب هو توجيه القضايا التي تهم النظام إلى الدوائر المعروفة بتأثرها
الانتخابات البرلمانية عام ٢٠٠٥ ربما كانت أقل فسادا من المهازل التي سبقتها و المهزلة الكبرى التي تلتها بعد الغاء الاشراف القضائي أو تحجيمه بعد تعديلات الدستور عام ٢٠٠٧ , لكن حوادث الفساد التي شابت انتخابات ٢٠٠٥ و التي تمت بتواطء بعض القضاة للأسف مرت مرور الكرام و لم نسمع عن انهاء خدمة من تورطوا في هذه الفضيحة حتى اليوم على الرغم من قيام ما سميناه "الثورة" , لكن المضحك (أو المبكي)كان تحويل المستشارين الذين طالبا بالتحقيق مع من تورطوا في هذه الفضائح للمحاكمة التأديبية , و طبعا كان من أصدر قرار الاحالة هو وزير العدل و اعترف بتعرضه لضغوط من رئاسة الجمهورية ليصدر هذا القرار
استقلال القضاء ليس مطلب فئوي للقضاة, بل هو ضمان يكفله الدستور للحرية و العدالة و الديمقراطية, يجب أن يطلبه الشعب و يصر عليه و ألا يترك قضاة تيار الاستقلال يخوضون هذه المعركة بمفردهم, فهي معركتنا جميعا

القضاء هو شرف اي دولة
ردحذفوزي ما قلت ملاذ المواطن الأخير
لو متصلحش .. بلاها ثورة